محمد غازي عرابي
1092
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
والروح علّم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الفصاحة والبلاغة ، علما أن النبي نشأ في البادية ، وتعلم الفصاحة صغيرا على عشيرة مرضعته حليمة ، فلا فرق بين أن يتعلم الإنسان عن طريق العالم الخارجي ، أو عن طريق الباطن ، وبيّنا أن العالم الخارجي هو من بديع صنع الاسم الباطن نفسه ، فالنبي تعلم اللغة من الأعراب صغيرا ، ثم زاده الحق فصاحة إلى فصاحته عندما شرع ينطق عن الحق الذي هو الوحي . وبالإضافة إلى الفصاحة والبلاغة النبويتين فلقد آتى الحق نبيه الحكمة وفصل الخطاب ، ومن يؤت الحكمة فلقد أوتي خيرا كثيرا ، كما أنزلت على النبي شريعة كاملة شملت أمور الدنيا والآخرة ، وكان يقول للمسلمين خذوا عني ، خذوا عني ، فأنت ترى فضل اللّه على نبيه في تعليمه الفصاحة أولا ، والحكمة ثانيا ثم فضله على المسلمين الذين تعلموا القرآن وحفظوا الحديث وطبقوا الشريعة ، وجاهدوا في سبيل اللّه بأموالهم وأنفسهم ، فكان انتشار هذا الدين العظيم والحضارة التي خلدها التاريخ . [ سورة الجمعة ( 62 ) : آية 5 ] مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 5 ) [ الجمعة : 5 ] الحديث عن حملة التوراة والإشارة إلى أهل الظاهر ، وعالم الظاهر كله صور استفادوا منها صورا معقولات هي ذخيرة الإنسان في حياته ، ومع هذا فهو لم يستفد من هذه الصور الباطنة العلم النافع والمجدي ، لأنه لم يرد الظاهر إلى الباطن ، ولم يرد الباطن إلى الحق باطن الباطن ، فالمهم تعرف العالم الخارجي أولا عن طريق الصور ، ثم تجريد هذه الصور وتعرّف العالم الباطني كما تفعل الفلاسفة ، ثم الانتقال إلى التأله الذي هو صفة الأنبياء والأولياء الكمل . [ سورة الجمعة ( 62 ) : الآيات 6 إلى 8 ] قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 6 ) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 7 ) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 ) [ الجمعة : 6 ، 8 ] الموت الحد الفاصل بين هذه الحياة وما بعدها ، ومن لا يؤمن بالآخرة يخاف الموت خوفا عظيما ، لأن الموت في نظره انقطاع عن الحياة وهو بالتالي نقلة إلى العدم ، فكيف يرضى الحي بالعدم ؟ أما المؤمن فهو مؤمن بالآخرة وعالمها ، فالموت في نظرة انتقال إلى ذلك العالم الخالد ،